رد من لطيف بولا على مقالة الاستاذ سالم تلا

اخي العزيز سالم تاخرت على الرد على مقالتك النقدية والتي تناولت بها مجموعتي القصصية نواقيس في الخلاء . في الوقت الذي اشكرفيه مساعيك الحميدة في متابعة وتمحيص كتاباتنا والتي تاتي في ظروف صعبة للغاية ومن كافة النواحي وانت ادرى بمعظمها, واصعبها عملية التنضيد التي اقوم بها بنفسي وعلى نفقتي الخاصة وكذلك بالنسبة للغلاف والذي ذكرت سهوا بانه من تصميم الاستاذ كوثر نجيب بينما الحقيقة غير ذلك اذ هو من بناة افكاري ومن تصميم الشاب المبدع ايفان جلال كليا الذي صمم موقع لطيف بولا ولا زال يشرف على ادارته من سوريا ورغم ظروفه الصعبة في الغربة . اما بالنسبة للاخطاء احيانا تفرض علينا فرضا . مثلا نكتب الكلمة مجزومة فيعتقدون باني نسيت حرف فيضيفون من عندهم ياء او الف .ففي ديواني السادس زقزقات في الغسق وردت حليمة في موقع لاتصرف مثلا ( لحليمةَ َ) بالفتح جاءت بالديوان مكسورة فظنوها خطاء وان ل حرف جر لذا جعلوها مجرورة وكذلك بالنسبة ل ظ ...و ض حدث ولا حرج .

وناتي الان للاسماء التي ذكرت بانني استعملت اسماءنا دون ذكر اسماء عربية او غيرها . في الحقيقة انني ذكرت مثلا ..حميد و ..وردية..في قصة المشنقة وذكرت ..حسن .. وعبدالجبار في قصة المبكى . وشناوا و شغاتي و مريوش ومناضل واسماء كثيرة اخرى. رغم انني من حقي ان استعمل اسماءنا التي كادت ان تنقرض . فهل سمعت كاتبا في مصر او في البصرة اوفي المكسيك او في روسيا استعمل في قصصه اسم ججو او ابلحد او شرو او كتى او نني كاسماء لشخصياته ؟ . اليس من الصواب ان نشجع كتابنا على التركيز على هذا الامر ونشجع اهلنا للتسمية ابنائهم باسماء لها معنى سرياني ؟؟

ان انتاجنا غزير بقدر تعاظم الاحداث والظروف , لكن عملية الطبع صعبة جدا اذا لم تتبناها جهة معينة تهتم بالثقافة دون شروط مسبقة

.قبل سنة او اكثر ارسلت الى عينكاوا للطبع كتابين جاهزين للطبع من ناحية التنضيد وتصميم الغلاف والصور. الكتاب الاول كان مسرحية ترمالا أي الحقيبة قمت بترجمتها قبل سنتين للكاتب ياسين النصير من العربية الى السريانية ولم تطبع لحد الان . وكذلك ارسلت المجموعة القصصية ناخولتا وباللغة السريانية ايضا منضدة كاملة مع الغلاف والصور . اعادها لي ادمون لاسو من عينكاوة قائلا ان الطبع توقف ولم يعد يطبع المكتب أي كتاب , فاضطررت ان اذهب الى دهوك واسلمها الى الاب شموئيل رئيس دار المشرق والذي اكد على نشرها وطبعها واخذ منها قصصا لنشرها في مجلة تصدر في زاخو . الا انني استغربت بعد فترة اعادها بنيامين حداد ولما سالته عن سبب عادتها دون ان تطبع !! وقد اكد لي الاب المسؤول على الموافقة على طبعها... اجاب اننا لا نطبع الا باللغة الكلدانية الفصحى!!!تصور كتابي يقع بين بدي بنيامين حداد فماذا يكون مصيره.!!!!. وانتم تعرفون سلوكه معي في نادي بابل وفي جمعية اشوربانيبال في بغداد وكيف كان يعرضني للمخاطر ويقف بالضد من اعمالي الفنية والادبية بحجة انها تعارض سيا سة النظام البائد!! وها هو اليوم تسلل مرة ثانية الى حيث يستطيع ان يفرز سمومه في موائدنا الادبية والفنية ويعرقل مسيرتنا وباساليب جديدة يمررها على البعض الذين لا يعرفون حقيقته!!

المسرحية معطلة بدون طبع والمجموعة القصصية ايضا والتي تتكون من اثنتي عشر قصة.. ليس هذا فحسب بل ولي ديوان الثامن باللغة العربية جاهز للطبع . لي اوبريتات كثيرة منها اوبيرت الحصاد ومطمتا قتي واوبريت حب في الغروب واوبريت بين الفدان والسندان واوبريت عش النسور ومسرحية كدو و غزالة هذه جميعها عرضتها على مسرح نادي بابل ومسرح جمعية اشور بانيبال في بغداد .

ولي اوبريتات اخرى جاهزة منها عرضتها في القوش مثل ديوان الدجالين و هلو ! بيبوني ؟؟واعمال اخرى سوف لن يكون بوسعي طبعها , لان في القوش ليس ثمة مطابع ومن المستحيل لي القيام بذلك في بغداد بسبب الظروف الامنية اما الاماكن التي القى عليها بنيامين حداد ظله فمن المستحيل بعد اليوم التقرب منها وبعض الجهات تبحث عن من يقف بوجه تطلعاتنا وقد وجدوهم واصبحوا خير سلاح بيدهم!! ولكن سلاح التاريخ اقوى يبدو انهم لم يتعضوا من دروس الامس ولم يتذكروا الدكتاتور الذي كانوا يدافعون عنعه اين اصبح

لقد اغرقتني بفيض كلماتك المعطرة بالحب والصداقة الجياشة وليس بوسعي ان اقول لك الا هذه الابيات التي جائتني من وحي حبك

ياطير ُ دونك َ ودادي من جوبّي   

  ِردوه الى من قتلوني في الحب

تغربوا لكن تشبثوا بالقلبِ

كمن رجموه بلا اثمٍ او ذنبِ

سجيلٌ عشقهم فرحماكَ يا ربي

اهفو ورائهم من قطبٍ الى قطبِ

رسالة الاستاذ سامي المالح الى صديقه الشاعر لطيف بولا

الاخ والاستاذ العزيز لطيف بولا!

 

مع تحياتي العطرة اهنئكم ثانية لمناسبة حلول العام الجديد متمنيا ان يكون عام السلام والامن والمحبة، وعام تحقيق الامنيات الانسانية في كل مكان على كوكبنا.

 

استاذي العزيز

انا مشتاق جدا للجلوس معكم في غرفتك تلك بين العود والكتب المتناثرة واجواء البساطة والالفة والمشاعر الدافئة.

انا مشتاق للجلوس معكم والحديث عن الموسيقى والشعر والسياسة. مشتاق للحوار وتبادل وجهات النظر وتوسيع المدارك وحتى الاختلاف في تحليل الامور وفهمها .....

انا مشتاق لسماع النكات، والقصص و النوادر عن حياة الناس الطيبين التي تفوح بالمغزى والطيبة والمعنى ......

انا مشتاق لالقوش وازقتها وناسها الطيبين المتوثبين بحساسية، ولمشاركتهم حياتهم المليئة بالارادة والاصرار والاقدام ......

انا مشتاق لمعرفة ومعايشة ما يجري في النوادي والمقاهي والمجالس والجمعيات، وفي المدارس والبيوتات، ولتلمس الامال والاحلام والمعاناة ......

نعم انا مشتاق جدا لعطر الوطن وهوائه، ولكي اكون بين اهلي واصدقائي واحبتي. مشتاق لمشاركة الناس في ا حزانها وكدحها وتصميمها في مواجهة تحديات الحياة..

مشتاق لسماع الاغاني، والدبك في الاعراس والشرب معكم بطقوسنا الشعبية الرائعة.

 

هذا هو ما كنت اريد قوله لكم يا استاذي العزيز عندما كنت عندكم في فترة انعقاد مؤتمر عنكاوه.

للاسف كان اندفاعنا وانهماكنا في العمل المستمر ليل نهار قد منعنا من التلذذ بمتعة التواجد معكم وممارسة الحياة البسيطة الانسيابية، بعيدا عن النفاق والتملق والتنافس والحيل والكذب والركض لتحقيق المصالح الانانية التافهة.

ولكني ورغم كل الانشغال كنت اميز الناس، كنت افهمهم وكنت احاول التعامل معهم بما يجعل ضميري مرتاحا، وبما يساعدني على الاحتفاظ بالقيم التي اؤمن بها وبما يجنبني الوقوع في شراك اؤلئك الغرباء عنا وعن مثلنا واخلاقنا ....

 

انت، رابي لطيف، كنت اريد ان اقضي معك وقت اطول، كنت اتمنى ان اتعلم منك اكثر، كنت اتمنى ان اقف عند ارائك وتصوراتك عن الكثير من الامور الحياتية والثقافية والسياسية ....

كانت ثمة امور مشتركة بيننا، كنت مثلي تريد تقديم الاجمل، الاكثر معنى و الافضل....

وكنت مثلي تعاني من ما يجري حولك .... من تصرفات وتعليقات وتدخل هذا وذاك .....

وانت مثلي في طرح الحقيقة، في عدم التهاون لقول ما تؤمن به، في عدم وضع ما تراه صائبا تحت حسابات الربح والخسارة.

 

نحن كلانا، نعشق الحياة، نحب الفن، نقدس الانسان، نشعل الشموع لنهزم الظلام.

نحن كلانا احرار، لايمكن ترويض فكرنا، ولايمكننا ان نساوم على قيمنا الخلاقة، ولايمكن منعنا من ان نحلم .......

 

بالنسبة لي، يا رابي لطيف، سوف لن اتوقف عن الحلم .... عن تقديم ما يمكنني تقديمه .... عن الايمان بان مستقبل الناس مشرق لامحالة .... عن العمل من اجل قضية الانسان بكل الطرق والاساليب المتاحة مهما كان الثمن ....

 

وانا اعلم، يقينا، بانك رفيقي في هذا الدرب.....

وانا سعيد بذلك ... لانك الاستاذ والفنان المبدع.... والانسان العاشق والحالم .....

مع ودي الاخوي واعتزازي

 

اخوكم سامي بهنام المالح

ستوكهولم

1/1/2008

لاشـــــــــئ

الشاعر الفنان لطيف بولا

www.latifpola.com

عندما كانت تشتد الضائقة على شعبنا بسبب الغزو او الاوبئة الفتاكة او الجفاف المدمر كان اهلنا في سهل نينوى يلوذون بالفرار للابقاء على حياتهم فيشدون الرحال الى الموصل او بغداد او أدنة في تركيا او الى اي جهة كانت . وكان معظمهم في عهد الدولة العثمانية يتوجهون الى أدنة اذ كانت الموصل في تلك المرحلة ولاية من ولايات الدولة التركية الى حين قيام الدولة العراقية . وكان اهلنا الهاربون من الموت يكدحون في الحقول التي تشتهر بها ادنة ويقيمون أودهم ويسدون رمقهم بعرق جبينهم. ورغم كل ذلك كانت قلوبهم تهفو حنينا كالطيور المهاجرة الى اوطانهم ومنهم الالقوشيون الغارقون حبا في وطنهم وبلدتهم العريقة ( القوش ) فنشأ هناك في ادنة ادبا رفيعا رقيقا شفافا ملئه الحب والحنين للاهل والاحبة اذا انشدت في ادنة الشاعرة الالقوشية (كـَـشِّ)وهي مع بقية النساء الكادحات في حقول ادنة البعيدة عن وطنها متذكرة القوش وحقولها وازقتها واهلها الذين فتك بهم الغزاة والمرض والجوع فانشدت وسط رفيقاتها وهي تبكي قائلة

خدًٌا شنّةا اّةٍلٍه ةَلجًا    سِدًالٍه اوُرخًا دمَرجًا

خوُزيٌ خدًا شةيٌةًٌا منّ اِنةًا         وخدًا يٌةبٌةًا قدَم دَرجًا

((خذا شاتا ثيل تلكا سيداله           اورخا دمركا

خوزي خذا شتيثا مئنتا             وخذا يتوتا قم دركا))

وترجمتها

في سنة من السنين تراكم الثلج         وقطع طريق المروج

ليتني افوز بشربة من ماء الحب           وبجلسة امام الدار

 

اجل هكذا عبرت الشاعرة الالقوشية (كش)عن حنينها وحبها بطريقة شاعرية ذكية جياشة اذ ابعدت الشبهة بالتصريح عن الظلم الذي خيم على حياتهم وشبهت الوضع المأساوي الناتج عن الاحتلال التركي منذ 1455 الى 1919 شبهته بالثلج المتراكم الذي سد طريق المروج وهي رمز للحرية والسعاده وشربة ماء واحدة تتوق لها (كش) من ماء الحب التي امتاز بصنعها ابناء نينوى واشتاقت الى جلسة عصرية في امسيات القوش مع بنات وامهات بلدتها امام عتبات الدور والتي كانت عادة سائدة بين ابناء شعبنا الطيبين حيث يجتمعون لينسوا ويتناسوا هموهم الكثيرة والمتراكمة نتيجة نير الظلم والاستعباد والفقر والمرض تلك الجلسات العفوية التي كانت تحصل امام الدور في مواسم الربيع والصيف والخريف وحول المواقد والكوانين في ليال الشتاء الباردة كن يتبادلن الاحاديث واخر الاخبار والحكايات والنكات والطرائف البريئة . .

والان اعود الى صلب موضوعي حول اللاشيئ . كان (اسطيفوا) الالقوشي احد ضحايا تلك الحياة الجافة والصعبة والقاسية والدامية المظلمة المليئة بالمئاس والدموع والتغّرب . حمل كيسه على ظهرهِ وفيه كل ما يملك من حياة العدم واللاشيئ وتغرَّب بحثا عن عمل يقيم به اوده ويسد به رمق عائلته شانه شأن كل فرد من افراد وطنيه الذين اناخ على صدرهم نير الاحتلال والفقر والبؤس . ولكن لم ينقذه التغرّب من هذا الشقاء ولم ينل مأربه في الغربة ,عاد الى القوش بعد سنة من التغرّب والمعاناة المريرة وقد تعلم حرفة بسيطة راح يزاولها في القوش ولكن بعد عدة شهور لم يجد ما يطعم به عائلته اذ كان في القوش الكثيرون يزاولون هذة المهنة في وقت كانت القوة الشرائية عند اهل البلدة تحتضر بسبب الجفاف والبطالة وتبعات الضرائب التي كان يدفعها الشعب للجندرمة التركية وهي تحرق الوطن بحروبها العالمية اضافة الى الاوبئة التي فتكت بأبناء الشعب نتيجة سوء التغذية والحياة القاسية. شدّ (اسطيفوا)الرحال مرة ثانية الى بلاد الغربة وكان الذهاب الى بغداد او الموصل او الى ادنة في تلك الايام مشيا على الاقدام يطول اياما واسابيعا وشهورا لذا كان يقال للذي يسافر الى هذه المدن (تغرَّبَ وضاع في الدنيا)وكان الاقارب واهل المحلة والاصدقاء يودعونه بالدموع والعناق ويسكبون بعده وعلى اثره إناءا مملؤا بالماء ربما كان نوع من الدعاء كي لايصيبه العطش وهو يقطع مئات الكيلومترات مشيا على الاقدام خال الوفاض, والطوى يلسع ببطنه لسعا وبعد مضئ سنة لم يفلح اسطيفوا في الغربة اذا كان ذا حظ تعيس جاء مرة ثانية الى بلدته مستنجداً بالمستحيل متشبثا باظافيرهِ بالحياة وزاول حرفته مرة اخرى في وقت كان قد زاد عدد المحلات التي تزاول هذه المهنة . حمل كيسه مرة اخرى وكان الفقر قد انهكه والشيخوخة قد هدمت كيانه. وبينما هو يبحث عن حذائه العتيق وجد كسرة خبز يابسة يعلوها العفن تناول بيده ونظر الى السماء والقى بكسرة الخبز الى الاعلى وصاح باعلى صوته (لاتحملني منيتك يا رب خذ هذه لك ايضا )والقى بكسرة الخبز واطلق ساقية النحيلتين للريح وتغرّب الى الابد.وقد اعاد التاريخ هذة الماساة وبصورة افظع اذ رايتُ احفاد اسطيفو يهاجرون في فترة الاربعينات والخمسينات من القرن العشرين واشتدت في السنوات الاخيرة بحيث غدت تشكل كارثة على وجود شعبنا في ارض ابائه واجداده اذ راحوا يهاجرون زرافات لا يلوون على شيء من القوش الى كركوك ومن كركوك الى الموصل وبغداد ومن بغداد الى القوش ثانية ومن القوش الى تركيا ومن تركيا الى اليونان ومن اليونان الى ايطاليا والمكسيك ونيوزلندا وامريكا ومنهم من قضى نحبه في الطريق والسجون واخرون وصلوا الى اقاصي الدنيا ومنهم من القي القبض عليه بعد ان جردوا من كل مايملكون وارسلوا ثانية خاليي الوفاض الى بلدتهم وكان اليأس دائما لهم بالمرصاد وقد القوا بأخر امل واخر كسرة خبز الى السماء وشدّوا الرحال ثانية الى المجهول

حلم اليائسين :

 

كبيرة كانت احلام شعبنا والحلم وسيلة الناس المضطهدين للتخفيف عن الامهم لمواصلة الحياة والتشبث بالمستحيل ولا زال الشعراء ينفخون بما بقي من جمرات الصبر في جحيم اليأس فمنهم من يردد(صبراً صبرا فالصبر مفتـــاح الفرج ) إلا ان الفرج مـــات !! ومفتاحه ضائع . و اُخر يردد(أذا الشعب يوما اراد الحياة لابد أن يستجيب القدرْ) إلا أن القدرْ تحول الى قِـدِر ٍ تُسْلق به الحياة سَْلقاُ وتُسكبُ نقمة على هذا الشعب الذي يحلم بالحياة واُخر يقول:(لابد لليل أن يَنجلي...) إلا ان الليل ضرب أطنابه وسَخرَ أشباحه لسَــد كل منفذ تدخل منه الشمس فبأي صباح تحلم وأنت اسير أشباح الظلام؟!

وبنهاية الاحلام يكون الشعب قد مات أو ُمسِخَ او تحول الى اللاشيء ليصبح تاريخه لاشيء. ونضاله لاشيء وحياته لاشيء واحلامه لاشيء...

كانت ثمة إمرأة مبتلية برجل غبي لايعرف من الحياة اكثر من بقية الحيوانات ! ولكي تُبعُدهٌ عنها قليلا وتُلهيه بعمل ما ينسى به شراهته ويقضي به فراغه. طلبت منه أن يأخذ سلة القاذورات ويلقي ما بها في المزبلة الكائنه في جنوب القرية .. وبعد تردد وبإلحاح وتشجيـــع من زوجته المسكينة حمل الرجل الغبي والأبله السلة وسأل زوجته: ماذا اقول وأنا ذاهب الى المزبلة؟

أجابت زوجته :لاشيء!

وراح الرجل حاملاَ السلة المليئة بالقاذورات وهو يردد طوال الطريق المؤدي الى المزبلة .. .. لاشيء! لاشيء! بينما هو يردد هذه العبارة مر بصيادي السمك يسمعونه يردد:لاشيء! لاشيء! لاشيء . فظنوه يسخر منهم ويدعو لهم بالشـــــر. انهالوا عليه بالضرب توسل اليهم ليتركوُه ليواصل طريقه لانَه مكلف بمهمة شاقة! وسألهم مندهشاً لماذا تضربونني ؟ أجابوه:لماذا تقول لاشيء تدعو علينا ان لا نصيد شيئا ؟! قال الابله : ماذا تريدون أن اقول اذاً؟ قالو:كل يوم الف ! كل يوم الف! حمل الابله (تنكة الزبل) وراح يردد كل يوم الــف كل يوم الــف! حتى وصل الى موكب ناس يشيعون ميتاً ومرّ في وسط النادبات والنائحات وهو يردد كل يوم الـــف! كل يوم الــف! ثارت ثائرة المشيعين فاخذوا يكيلون عليه الضرب بالايدي والارجل والهراوات. وراح الابله يستنجد ويستغيث وهو حاضن الى صدره سلة المهملات وأستفسر باكيا عن سبب ضربه؟! فقالوا له: أتريد ان يموت منا كل يوم الــف ايها المجرم؟ كيف تقول ذلك؟ سألهم :ماذا أقول اذاً ؟ قالو: اليوم حدث وغداً لا !اليوم حدث وغداً لا .. حمل سلة القاذورات وهو يرتعد، يسحل قدميه سحلاً وهو يردد: اليوم حدث وغداَ لا ! اليوم حدث وغداً لا ! الى ان وصل الى ساحة رحبة فيها فرح عرس والناس ترقص وتغني فمر من وسطهم .. وهو يردد: اليوم حدث وغداَ لا! اليوم حدث وغداً لا! . ناد احدهم امسكوا هذا الغراب البين ! انه يدعو علينا بالشر ! انه الشؤم لايريد ان يعود علينا الفرح! وراحت الايادي تنهال عليه كالمطر.وهو يصرخ لماذا تضربونني ؟هكذا علمونني!! ولما عرفوا انه ابله وضعوا سلة الزبل على رأسه وقالوا: اذهب من هنا حالاً! فسألهم: ماذا اقول اذاً؟ قـــالوا: لاشـــيء! لاشـــيء! حمل سلة القاذورات على رأسه وعاد من حيث أتى ودخل على زوجته ومعه الزبل وهو يردد وفي حالة تعسة: لاشـــــــــيء ! لاشـــــــــيء ! فضربت الزوجة على رأسها وقالت وهي تبكي:تيتي تيتي مثل ما رحت جيتي!

 

الى جميع احبابي واصدقائي : -

 

 

أَيكا دهاوت ْ أيذوخ ْ بريخا

يا وَردا دنـَهرين مار ريخا

 

******************

 

يـَمـَّمْتُ الفَـَجْرَ وقلتُ يا عيدُ

حـَيّي من سـَلـَبَ العيد َ وهو بعيدُ

 

*************

 

I can hear a sound as a drum !

Our mother calls oh dear come !

Without you there is no freedom !

بحث : لشنا اسوريا دريا

اللغة السريانية المعاصرة

لطيف بولا

مما لاشك فيه أن اللغة السريانية هي فرع مهم من مجموعة اللغات السامية سميت بالآرامية ولعبت دورا كبيرا في الشرق الأوسط واستطاعت أن تقف موقف الند أمام اللغة اليونانية في أيام اسكندر الكبير حيث كانت اللغة الآرامية اللغة الرسمية لكل الأمم في المنطقة التي تمتد من آسيا الصغرى إلى بلاد فارس ومن أرمينيا إلى الجزيرة العربية . انقسمت اللغة الآرامية إلى لهجتين غربية تكلمت بها شعوب سوريا وفلسطين وشرقية في بابل وأشور أي البلاد التي تسمى Mesopotamia بلاد ما بين النهرين. واللغة السريانية هي وليدة اللغة الآرامية اللهجة الشرقية وتطورت وانتعشت في الرها عاصمة الدولة المسيحية الفتية حتى أصبحت لغة الطقس في الكنيسة الشرقية ولغة الآداب والعلوم والفلسفة ولغة جميع الكنائس من البحر المتوسط وحتى أواسط بلاد فارس.

هذه المقدمة المختصرة جدا لا تضيف شيئا إلى حقائق معروفة لدى الجميع ولكن الشئ الذي أريد ان اؤكده هنا هو ان اللغة السريانية والتي هي وليدة اللغة الآرامية اللهجة الشرقية والتي استعملت في بابل وأشور لابد وان تكون قد تأثرت باللغة الاكدية الواسعة الانتشار ليس في بابل وأشور وحسب بل ابعد من ذلك ولولا سلاسة اللغة السريانية و قابلياتها للتطور والتكيف مع الحياة الجديدة وبشكل خاص بعد اعتناق هذه الشعوب الناطقة بها المسيحية واتخذت من اللغة السريانية سلاحا لنشر عقيدتها الجديدة وآدابها وعلومها إذ كانت تلك الشعوب التي تنقل إليها الرسالة السماوية الجديدة تهضم مبادئ المسيح ( له المجد ) لعظمتها وتتعلم اللغة السريانية لقوتها وبلاغتها وسلاستها في نفس الوقت. بعد دخول العربية إلى العراق وسوريا تغير كل شئ إذ أطلق العنان للغة العربية التي جاءت من الصحراء القاحلة لتستوعب كل كنوز السريانية مثلما ابتلعت شعوبها وميراثها وحضارتها وأصبح للعربية الدور الريادي وبدأت بالمقابل السريانية تنحسر حتى غدت أسيرة الكتب يعلوها الغبار على رفوف الكنائس والأديرة القديمة والتي شرع كهنتها يبحثون فيما بعد عن ضالتهم في اللغة المحكية ( السورث ) وأحيانا أخرى في العربية وربما في لغات أخرى.

 

 

 

كيف نعيد أمجاد لغتنا ؟

لا يحيي اللغة ولا يطورها إلا كتابها وشعرائها وأدباؤها هؤلاء وحدهم شمروا عن سواعدهم في العصر الحديث وتشبثوا بتلابيب لغتهم وراحوا ينقشون بأظافرهم على الحجر ويقرعون النواقيس في عالم لا يسمع ولا يتذوق ولا يفهم لغة أجداده.

ورغم الصعوبات البالغة في الارتشاف من الينابيع الأصلية للسريانية الا ان كتابنا جسدوا أفكارهم وحبهم لشعبهم ولغتهم وسخروا من اجل ذلك كل ما يمكن توظيفه في مجال اللغة وبالتأكيد كانت السورث خير أداة ومعين لخلق الوعي القومي لدى شعبنا وخير مفتاح للوصول الى كنوز الآباء والاجداد.

 

كيف يتعامل الكاتب السرياني مع السورث والسريانية ؟

نحن شعب معروف يمتد تاريخه الى آلاف من السنين صنع الحضارات وتحمل مصائب الغزاة لابد ان يكون لشعب مثل شعبنا صانع الحضارة لغة شاملة لكل مفردات الحضارة لكي تلبي متطلبات الهندسة المعمارية وميادين الري والزراعة والجيش والفنون والآداب وطقوسها الدينية والدنيوية وما يخص المأكل والمشرب والملبس. بعكس لغة الغزاة البرابرة والتي كانت لغتهم البدائية لا تلبي إلا حاجاتهم البسيطة في الصحاري والخيم والكهوف ولكن رغم ذلك وبمرور الزمن وتراكم قرون القهر والاستعباد والصهر والقتل والتهجير أصاب لغتنا الاضمحلال مثلما أصاب الفناء حضارتنا. ولما كانت الامم المغلوبة تقلد الأمم الغالبة كان لا بد لشعبنا ان يخضع لهذا القانون مجبرا صمدت أجيال وتراخت أجيال واستسلم الباقي لظروف ومقدرات الدهر وتغيرت معظم الأشياء ليس في اللغة وحسب بل في الحياة العامة المأكل والملبس والتفكير والاسم والوطن والهوية اذ انحدرت الإنجازات الحضارية وفي كل الجوانب إلى الحضيض حيث أراد لنا الغزاة.

وما يدهش العالم ان بقيت رغم كل ذلك ومضات وإرادة عند أبناء هذا الشعب وهذا ناتج عن عمق تاريخه وقوة إيمانه ورسوخ جذوره في هذه الأرض وهنا أريد ان أقول يجب ان نبقي على هذه الومضات وننفخ فيها الروح لنجعلها تعيش كما كانت في عهد الأجداد ورغم كل الظروف الصعبة. من الخطأ ان نقتل تراثنا بحجة الرجوع إلى السريانية لان في لغتنا المحكية السورث بلاغة متوارثة ربما تعود إلى بابل وأشور وأكد. والسريانية نفسها كما نعرف متطورة من الآرامية ولولا قابليتها للتطور لما بقيت وتواصلت وتطورت لتصبح معينا للغات أخرى علينا اذن نحن ايضا ان لا نتقولب ونلجم اقلام عشرات الكتاب ان لم يلتزموا بالسريانية كما كانت وكما هي طي الكتب منذ قرون لم يمسها شعاع التطور. واللغة كأي كائن حي ان لم تتطور وتتأقلم وتساير العصر تضمحل. المرحلة صعبة للغاية يجب ان نطلق العنان لأقلامنا لكي تبدع وتبتكر وما هو صالح سيبقى والردئ سينتهي عاجلا ام اجلا.فلنلاحظ كيف تطورت اللغة العربية والانكليزية وغيرهما ونتعلم ونتواضع ونحن اليوم نخوض تجربة قاسية وبأمس الحاجة الى التعلم من تجارب الاخرين لكي نتلمس طريقنا ونحقق هدفنا المنشود في احياء ونشر لغتنا من جديد من دون تضليل وترفع فارغ وانانية مقيتة.

 

كيف نواجه المشكلة ؟

ثمة مشاكل تعترينا ونتردد في حلها مثلا مشكلة الرقم السرياني. كل يوم يظهر لنا اسم في الصحافة او الانترنيت او في محاضرة يعرض ما ابتكره من ارقام ويدافع عن نظريته واخر يدحضها بابتكار اخر حتى كاد الرقم ان يصبح مشكلة بعد ان اتعبتنا مشكلة البحث عن اسم لشعبنا العريق. هناك ارقام عالمية جاهزة ماذا يحصل لو اخذنا هذه الارقام واستعملناها في لغتنا ؟ السنا نأخذ منهم التلفزيون والتلفون والكومبيوتر .. و .. و .. الخ لماذا ندور في حلقات مفرغة نبحث عن شئ هو موجود اصلا ؟ هذه الشعوب نفسها اخذت الكثير منا ومن غيرنا وطورته وهذه الدي&