مع تحياتي العطرة اهنئكم ثانية لمناسبة حلول العام الجديد متمنيا ان يكون عام السلام والامن والمحبة، وعام تحقيق الامنيات الانسانية في كل مكان على كوكبنا.
استاذي العزيز
انا مشتاق جدا للجلوس معكم في غرفتك تلك بين العود والكتب المتناثرة واجواء البساطة والالفة والمشاعر الدافئة.
انا مشتاق للجلوس معكم والحديث عن الموسيقى والشعر والسياسة. مشتاق للحوار وتبادل وجهات النظر وتوسيع المدارك وحتى الاختلاف في تحليل الامور وفهمها .....
انا مشتاق لسماع النكات، والقصص و النوادر عن حياة الناس الطيبين التي تفوح بالمغزى والطيبة والمعنى ......
انا مشتاق لالقوش وازقتها وناسها الطيبين المتوثبين بحساسية، ولمشاركتهم حياتهم المليئة بالارادة والاصرار والاقدام ......
انا مشتاق لمعرفة ومعايشة ما يجري في النوادي والمقاهي والمجالس والجمعيات، وفي المدارس والبيوتات، ولتلمس الامال والاحلام والمعاناة ......
نعم انا مشتاق جدا لعطر الوطن وهوائه، ولكي اكون بين اهلي واصدقائي واحبتي. مشتاق لمشاركة الناس في ا حزانها وكدحها وتصميمها في مواجهة تحديات الحياة..
مشتاق لسماع الاغاني، والدبك في الاعراس والشرب معكم بطقوسنا الشعبية الرائعة.
هذا هو ما كنت اريد قوله لكم يا استاذي العزيز عندما كنت عندكم في فترة انعقاد مؤتمر عنكاوه.
للاسف كان اندفاعنا وانهماكنا في العمل المستمر ليل نهار قد منعنا من التلذذ بمتعة التواجد معكم وممارسة الحياة البسيطة الانسيابية، بعيدا عن النفاق والتملق والتنافس والحيل والكذب والركض لتحقيق المصالح الانانية التافهة.
ولكني ورغم كل الانشغال كنت اميز الناس، كنت افهمهم وكنت احاول التعامل معهم بما يجعل ضميري مرتاحا، وبما يساعدني على الاحتفاظ بالقيم التي اؤمن بها وبما يجنبني الوقوع في شراك اؤلئك الغرباء عنا وعن مثلنا واخلاقنا ....
انت، رابي لطيف، كنت اريد ان اقضي معك وقت اطول، كنت اتمنى ان اتعلم منك اكثر، كنت اتمنى ان اقف عند ارائك وتصوراتك عن الكثير من الامور الحياتية والثقافية والسياسية ....
كانت ثمة امور مشتركة بيننا، كنت مثلي تريد تقديم الاجمل، الاكثر معنى و الافضل....
وكنت مثلي تعاني من ما يجري حولك .... من تصرفات وتعليقات وتدخل هذا وذاك .....
وانت مثلي في طرح الحقيقة، في عدم التهاون لقول ما تؤمن به، في عدم وضع ما تراه صائبا تحت حسابات الربح والخسارة.
نحن كلانا، نعشق الحياة، نحب الفن، نقدس الانسان، نشعل الشموع لنهزم الظلام.
نحن كلانا احرار، لايمكن ترويض فكرنا، ولايمكننا ان نساوم على قيمنا الخلاقة، ولايمكن منعنا من ان نحلم .......
بالنسبة لي، يا رابي لطيف، سوف لن اتوقف عن الحلم .... عن تقديم ما يمكنني تقديمه .... عن الايمان بان مستقبل الناس مشرق لامحالة .... عن العمل من اجل قضية الانسان بكل الطرق والاساليب المتاحة مهما كان الثمن ....
وانا اعلم، يقينا، بانك رفيقي في هذا الدرب.....
وانا سعيد بذلك ... لانك الاستاذ والفنان المبدع.... والانسان العاشق والحالم .....
مع ودي الاخوي واعتزازي
اخوكم
– سامي بهنام المالحستوكهولم
1/1/2008

لاشـــــــــئ
الشاعر الفنان لطيف بولاwww.latifpola.com
عندما كانت تشتد الضائقة على شعبنا بسبب الغزو او الاوبئة الفتاكة او الجفاف المدمر كان اهلنا في سهل نينوى يلوذون بالفرار للابقاء على حياتهم فيشدون الرحال الى الموصل او بغداد او أدنة في تركيا او الى اي جهة كانت . وكان معظمهم في عهد الدولة العثمانية يتوجهون الى أدنة اذ كانت الموصل في تلك المرحلة ولاية من ولايات الدولة التركية الى حين قيام الدولة العراقية
. وكان اهلنا الهاربون من الموت يكدحون في الحقول التي تشتهر بها ادنة ويقيمون أودهم ويسدون رمقهم بعرق جبينهم. ورغم كل ذلك كانت قلوبهم تهفو حنينا كالطيور المهاجرة الى اوطانهم ومنهم الالقوشيون الغارقون حبا في وطنهم وبلدتهم العريقة ( القوش ) فنشأ هناك في ادنة ادبا رفيعا رقيقا شفافا ملئه الحب والحنين للاهل والاحبة اذا انشدت في ادنة الشاعرة الالقوشية (كـَـشِّ)وهي مع بقية النساء الكادحات في حقول ادنة البعيدة عن وطنها متذكرة القوش وحقولها وازقتها واهلها الذين فتك بهم الغزاة والمرض والجوع فانشدت وسط رفيقاتها وهي تبكي قائلةخدًٌا شنّةا اّةٍلٍه ةَلجًا سِدًالٍه اوُرخًا دمَرجًا
خوُزيٌ خدًا شةيٌةًٌا منّ اِنةًا وخدًا يٌةبٌةًا قدَم دَرجًا
((خذا شاتا ثيل تلكا سيداله اورخا دمركا
خوزي خذا شتيثا مئنتا وخذا يتوتا قم دركا))
وترجمتها
في سنة من السنين تراكم الثلج وقطع طريق المروج
ليتني افوز بشربة من ماء الحب وبجلسة امام الدار
اجل هكذا عبرت الشاعرة الالقوشية (كش)عن حنينها وحبها بطريقة شاعرية ذكية جياشة اذ ابعدت الشبهة بالتصريح عن الظلم الذي خيم على حياتهم وشبهت الوضع المأساوي الناتج عن الاحتلال التركي منذ 1455 الى 1919 شبهته بالثلج المتراكم الذي سد طريق المروج وهي رمز للحرية والسعاده وشربة ماء واحدة تتوق لها (كش) من ماء الحب التي امتاز بصنعها ابناء نينوى واشتاقت الى جلسة عصرية في امسيات القوش مع بنات وامهات بلدتها امام عتبات الدور والتي كانت عادة سائدة بين ابناء شعبنا الطيبين حيث يجتمعون لينسوا ويتناسوا هموهم الكثيرة والمتراكمة نتيجة نير الظلم والاستعباد والفقر والمرض تلك الجلسات العفوية التي كانت تحصل امام الدور في مواسم الربيع والصيف والخريف وحول المواقد والكوانين في ليال الشتاء الباردة كن يتبادلن الاحاديث واخر الاخبار والحكايات والنكات والطرائف البريئة . .
والان اعود الى صلب موضوعي حول اللاشيئ . كان (اسطيفوا) الالقوشي احد ضحايا تلك الحياة الجافة والصعبة والقاسية والدامية المظلمة المليئة بالمئاس والدموع والتغّرب . حمل كيسه على ظهرهِ وفيه كل ما يملك من حياة العدم واللاشيئ وتغرَّب بحثا عن عمل يقيم به اوده ويسد به رمق عائلته شانه شأن كل فرد من افراد وطنيه الذين اناخ على صدرهم نير الاحتلال والفقر والبؤس . ولكن لم ينقذه التغرّب من هذا الشقاء ولم ينل مأربه في الغربة
,عاد الى القوش بعد سنة من التغرّب والمعاناة المريرة وقد تعلم حرفة بسيطة راح يزاولها في القوش ولكن بعد عدة شهور لم يجد ما يطعم به عائلته اذ كان في القوش الكثيرون يزاولون هذة المهنة في وقت كانت القوة الشرائية عند اهل البلدة تحتضر بسبب الجفاف والبطالة وتبعات الضرائب التي كان يدفعها الشعب للجندرمة التركية وهي تحرق الوطن بحروبها العالمية اضافة الى الاوبئة التي فتكت بأبناء الشعب نتيجة سوء التغذية والحياة القاسية. شدّ (اسطيفوا)الرحال مرة ثانية الى بلاد الغربة وكان الذهاب الى بغداد او الموصل او الى ادنة في تلك الايام مشيا على الاقدام يطول اياما واسابيعا وشهورا لذا كان يقال للذي يسافر الى هذه المدن (تغرَّبَ وضاع في الدنيا)وكان الاقارب واهل المحلة والاصدقاء يودعونه بالدموع والعناق ويسكبون بعده وعلى اثره إناءا مملؤا بالماء ربما كان نوع من الدعاء كي لايصيبه العطش وهو يقطع مئات الكيلومترات مشيا على الاقدام خال الوفاض, والطوى يلسع ببطنه لسعا وبعد مضئ سنة لم يفلح اسطيفوا في الغربة اذا كان ذا حظ تعيس جاء مرة ثانية الى بلدته مستنجداً بالمستحيل متشبثا باظافيرهِ بالحياة وزاول حرفته مرة اخرى في وقت كان قد زاد عدد المحلات التي تزاول هذه المهنة . حمل كيسه مرة اخرى وكان الفقر قد انهكه والشيخوخة قد هدمت كيانه. وبينما هو يبحث عن حذائه العتيق وجد كسرة خبز يابسة يعلوها العفن تناول بيده ونظر الى السماء والقى بكسرة الخبز الى الاعلى وصاح باعلى صوته (لاتحملني منيتك يا رب خذ هذه لك ايضا )والقى بكسرة الخبز واطلق ساقية النحيلتين للريح وتغرّب الى الابد.وقد اعاد التاريخ هذة الماساة وبصورة افظع اذ رايتُ احفاد اسطيفو يهاجرون في فترة الاربعينات والخمسينات من القرن العشرين واشتدت في السنوات الاخيرة بحيث غدت تشكل كارثة على وجود شعبنا في ارض ابائه واجداده اذ راحوا يهاجرون زرافات لا يلوون على شيء من القوش الى كركوك ومن كركوك الى الموصل وبغداد ومن بغداد الى القوش ثانية ومن القوش الى تركيا ومن تركيا الى اليونان ومن اليونان الى ايطاليا والمكسيك ونيوزلندا وامريكا ومنهم من قضى نحبه في الطريق والسجون واخرون وصلوا الى اقاصي الدنيا ومنهم من القي القبض عليه بعد ان جردوا من كل مايملكون وارسلوا ثانية خاليي الوفاض الى بلدتهم وكان اليأس دائما لهم بالمرصاد وقد القوا بأخر امل واخر كسرة خبز الى السماء وشدّوا الرحال ثانية الى المجهولحلم اليائسين
:
كبيرة كانت احلام شعبنا والحلم وسيلة الناس المضطهدين للتخفيف عن الامهم لمواصلة الحياة والتشبث بالمستحيل ولا زال الشعراء ينفخون بما بقي من جمرات الصبر في جحيم اليأس فمنهم من يردد(صبراً صبرا فالصبر مفتـــاح الفرج ) إلا ان الفرج مـــات !! ومفتاحه ضائع . و اُخر يردد(أذا الشعب يوما اراد الحياة لابد أن يستجيب القدرْ) إلا أن القدرْ تحول الى قِـدِر
ٍ تُسْلق به الحياة سَْلقاُ وتُسكبُ نقمة على هذا الشعب الذي يحلم بالحياة واُخر يقول:(لابد لليل أن يَنجلي...) إلا ان الليل ضرب أطنابه وسَخرَ أشباحه لسَــد كل منفذ تدخل منه الشمس فبأي صباح تحلم وأنت اسير أشباح الظلام؟!وبنهاية الاحلام يكون الشعب قد مات أو ُمسِخَ او تحول الى اللاشيء ليصبح تاريخه لاشيء. ونضاله لاشيء وحياته لاشيء واحلامه لاشيء...
كانت ثمة إمرأة مبتلية برجل غبي لايعرف من الحياة اكثر من بقية الحيوانات ! ولكي تُبعُدهٌ عنها قليلا وتُلهيه بعمل ما ينسى به شراهته ويقضي به فراغه. طلبت منه أن يأخذ سلة القاذورات ويلقي ما بها في المزبلة الكائنه في جنوب القرية .. وبعد تردد وبإلحاح وتشجيـــع من زوجته المسكينة حمل الرجل الغبي والأبله السلة وسأل زوجته: ماذا اقول وأنا ذاهب الى المزبلة؟
أجابت زوجته :لاشيء!
وراح الرجل حاملاَ السلة المليئة بالقاذورات وهو يردد طوال الطريق المؤدي الى المزبلة .. .. لاشيء! لاشيء! بينما هو يردد هذه العبارة مر بصيادي السمك يسمعونه يردد:لاشيء! لاشيء! لاشيء . فظنوه يسخر منهم ويدعو لهم بالشـــــر. انهالوا عليه بالضرب توسل اليهم ليتركوُه ليواصل طريقه لانَه مكلف بمهمة شاقة! وسألهم مندهشاً لماذا تضربونني ؟ أجابوه:لماذا تقول لاشيء تدعو علينا ان لا نصيد شيئا ؟! قال الابله : ماذا تريدون أن اقول اذاً؟ قالو:كل يوم الف ! كل يوم الف! حمل الابله (تنكة الزبل) وراح يردد كل يوم الــف كل يوم الــف! حتى وصل الى موكب ناس يشيعون ميتاً ومرّ في وسط النادبات والنائحات وهو يردد كل
يوم الـــف! كل يوم الــف! ثارت ثائرة المشيعين فاخذوا يكيلون عليه الضرب بالايدي والارجل والهراوات. وراح الابله يستنجد ويستغيث وهو حاضن الى صدره سلة المهملات وأستفسر باكيا عن سبب ضربه؟! فقالوا له: أتريد ان يموت منا كل يوم الــف ايها المجرم؟ كيف تقول ذلك؟ سألهم :ماذا أقول اذاً ؟ قالو: اليوم حدث وغداً لا !اليوم حدث وغداً لا .. حمل سلة القاذورات وهو يرتعد، يسحل قدميه سحلاً وهو يردد: اليوم حدث وغداَ لا ! اليوم حدث وغداً لا ! الى ان وصل الى ساحة رحبة فيها فرح عرس والناس ترقص وتغني فمر من وسطهم .. وهو يردد: اليوم حدث وغداَ لا! اليوم حدث وغداً لا! . ناد احدهم امسكوا هذا الغراب البين ! انه يدعو علينا بالشر ! انه الشؤم لايريد ان يعود علينا الفرح! وراحت الايادي تنهال عليه كالمطر.وهو يصرخ لماذا تضربونني ؟هكذا علمونني!! ولما عرفوا انه ابله وضعوا سلة الزبل على رأسه وقالوا: اذهب من هنا حالاً! فسألهم: ماذا اقول اذاً؟ قـــالوا: لاشـــيء! لاشـــيء! حمل سلة القاذورات على رأسه وعاد من حيث أتى ودخل على زوجته ومعه الزبل وهو يردد وفي حالة تعسة: لاشـــــــــيء ! لاشـــــــــيء ! فضربت الزوجة على رأسها وقالت وهي تبكي:تيتي تيتي مثل ما رحت جيتي!

